القرطبي

32

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

النفخات في الصور ، وكرتبة خلق خلق السماوات والأرض . روى الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اتقوا الحديث على الا ما علمتم فمن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ومن قال في القران برأيه فليتبوأ مقعده من النار . وروى أيضا عن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قال في القران برأيه فأصاب فقد أخطأ . قال : هذا حديث غريب . وأخرجه أبو داود وتكلم في أحد رواته . ( 1 ) وزاد رزين : ومن قال برأيه فأخطأ فقد كفر . قال أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن محمد الأنباري النحوي اللغوي في كتاب الرد : فسر حديث ابن عباس تفسيرين ، أحدهما - من قال في مشكل القران بما لا يعرف من مذهب الأوائل من الصحابة والتابعين فهو متعرض لسخط الله . والجواب الاخر - وهو أثبت القولين وأصحهما معنى - : من قال القران قولا يعلم أن الحق غيره فليتبوأ مقعده من النار . ومعنى يتبوأ : ينزل ويحل ، قال الشاعر : وبوئت في صميم معشرها * فتم في قومها مبوؤها ( 2 ) وقال في حديث جندب : فحمل بعض أهل العلم هذا الحديث على أن الرأي معنى به الهوى ، من قال في القران قولا يوافق هواه ، لم يأخذه عن أئمة السلف فأصاب فقد أخطأ ، لحكمه على القران بما لا يعرف أصله ، ولا يقف على مذهب أهل الأثر والنقل فيه . وقال ابن عطية : " ومعنى هذا ان يسأل الرجل عن معنى في كتاب الله عز وجل فيتسور عليه برأيه دون نظر فيما قال العلماء ، واقتضته قوانين العلم كالنحو والأصول ، وليس يدخل في هذا الحديث ان يفسر اللغويون لغته والنحويون نحوه والفقهاء معانيه ، ويقول كل واحد باجتهاده المبنى على قوانين علم ونظر ، فإن القائل على هذه الصفة ليس قائلا بمجرد رأيه " .

--> ( 1 ) قوله : أحد رواته . هو سهيل بن أبي حزم واسمه مهران ويقال : عبد الله . ( 2 ) جاء في لسان العرب مادة بوأ تفسيرا لهذا البيت : " اي نزلت من الكرم في صميم النسب " . ( 3 ) قوله : فيتسور عليه . تسور الحائط . هجم مثل اللص . ويغنى به هنا التهجم والاقدام بغير بصيرة ولا تدبر .